علي حسن إبراهيم
القدس

حصار القدس بالحواجز ونقاط التفتيش.. بنية استعمارية وانعكاساتها على حياة السكان

٩ أغسطس ٢٠٢٦·القدس، الحواجز، حصار القدس، الجدار العازل، نقاط التفتيش
حصار القدس بالحواجز ونقاط التفتيش.. بنية استعمارية وانعكاساتها على حياة السكان

وبفعل الأمر الواقع، وما تمتلكه سلطات الاحتلال من فائض القوة، ترسخت هذه المنظومة واحدةً من أدوات عزل القدس عن محيطها وتهويدها، والضغط على سكانها، وتعقيد حياتهم اليومية، بهدف دفعهم نحو الهجرة الطوعية. ويسعى هذا المقال إلى تفكيك وظيفة هذه الحواجز، وتتبّع انعكاساتها المباشرة على معيشة المقدسيين والقادمين إلى القدس.

حجم الخط

تتنوع الأدوات القمعية التي تُحاصر من خلالها سلطات الاحتلال القدس وسكانها، ومنذ احتلال الشطر الشرقي من المدينة في عام 1967م، حولتها من مدينة مفتوحة إلى أُخرى مطوّقة، من خلال فصلها عن محيطها الفلسطيني، وامتداداتها الجغرافية والديموغرافيّة.

 

وعلى مدى أكثر من 5 عقود، تحوّلت سياسة الفصل هذه، إلى منظومةٍ متكاملة، تشمل الحواجز العسكرية، والجدار العازل الذي يمتد نحو 142 كيلومترًا حول المدينة، وصولًا إلى الحواجز المؤقتة، وتقطيع أوصال المدينة خلال الأعياد والمناسبات اليهوديّة.

 

وبفعل الأمر الواقع، وما تمتلكه سلطات الاحتلال من فائض القوة، ترسخت هذه المنظومة واحدةً من أدوات عزل القدس عن محيطها وتهويدها، والضغط على سكانها، وتعقيد حياتهم اليومية، بهدف دفعهم نحو الهجرة الطوعية.

 

ويسعى هذا المقال إلى تفكيك وظيفة هذه الحواجز، وتتبّع انعكاساتها المباشرة على معيشة المقدسيين والقادمين إلى القدس.

 

الحواجز.. أكثر من مجرد أمن


يُشير توزع الحواجز التي أقامتها أذرع الاحتلال الأمنية حول القدس المحتلة، إلى سعي مستويات الاحتلال خنق المدينة وسكانها، والتحكم في تنقلاتهم، إن كانت داخل المدينة لشؤون الحياة اليوميّة، أو خارجها عبر الانتقال من المدينة وإليها، وفي النقاط الآتية نُسلط الضوء على أبرز الأهداف المرتبطة بهذه الحواجز:

 

1- الفصل الجغرافي والسكاني: حيث تفصل الحواجز القدس عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، وتقطّع أوصال الضفة نفسها بين شمالها وجنوبها ووسطها، كما هي الحال مع حاجز «الكونتينر» (وادي النار) الذي يشكل الطريق شبه الوحيد أمام سكان جنوب الضفة للوصول إلى القدس ورام الله والمدن الشمالية.

 

2- ضبط الحركة والسلوك: تتحكم نقاط التفتيش في تدفق الفلسطينيين الداخلين إلى القدس المحتلة، والخارجين منها، ولا سيما القادمين لأداء الصلاة في المسجد الأقصى، في يوم الجمعة، وخلال مواسم الرباط، ومع اشتراط الاحتلال الحصول على تصاريح خاصة، بات المرور من هذه النقاط، محطة تهدر الوقت والجهد للفلسطينيين، وتسمح للاحتلال بالتحكم بأعداد القادمين إلى المدينة.

 

3- الاستيلاء على الأرض: ترافق إقامة بعض الحواجز أو نقلها مصادرات واسعة للأراضي الفلسطينية، كما حدث في مايو 2025م حين نقلت سلطات الاحتلال حاجز الولجة مسافة كيلومترين داخل أراضي القرية؛ ما أدى إلى مصادرة نحو ألفي دونم زراعي وحرمان الأهالي من الوصول إلى نبع «عين الحنية».

 

حصار القدس.. الحواجز ونقاط التفتيش «الإسرائيلية»


مع تنوع أهداف هذه الحواجز، وكثرة تعدادها، يُمكن التفصيل بين أنواع هذه الحواجز، فأبرزها تلك التي تفصل ما بين القدس وامتدادها الجغرافي، أما النوع الثاني فهي الحواجز التي تقطع أوصال المناطق الفلسطينية، وثالثها نقاط التفتيش داخل القدس المحتلة، التي تتركز داخل البلدة القديمة ومحيطها، وفي الأزقة المؤدية إلى المسجد الأقصى وأمام أبوابه، وفي النقاط الآتية، نستعرض أبرز هذه الحواجز:

 

أولًا، الحواجز الفاصلة ما بين القدس المحتلة وامتداداتها الجغرافية: تُشكل هذه الحواجز البوابات الرئيسة التي تتحكم في دخول الفلسطينيين إلى القدس المحتلة والخروج منها، وتخضع حركة العبور فيها لإجراءات تفتيش وتصاريح مشددة.

 

ويُعدّ حاجز قلنديا أكبر هذه الحواجز وأكثرها ازدحامًا، إذ يفصل رام الله ومخيم قلنديا وكفر عقب عن القدس المحتلة، وتحول منذ أواخر عام 2001م إلى معبر عسكري ضخم.

 

ويبرز كذلك حاجز شعفاط الذي تحول في عام 2009م، من نقطة تفتيش مؤقتة إلى ما يشبه «المعبر»، الذي عزل مخيم شعفاط وضاحية السلام عن المدينة، وأصبح إغلاقه أو تعطيله يشل حياة آلاف المقدسيين.

 

ويؤدي حاجز «حزما» دورًا مماثلًا في الجهة الشمالية الشرقية، إذ يفصل البلدة عن القدس ويستخدمه المستوطنون والمقدسيون وحافلات السياح، مع تسجيل اقتحامات واعتقالات متكررة في محيطه.

 

وفي الجهة الشرقية والجنوبية تتحكم مجموعة أخرى من الحواجز بمداخل المدينة، أبرزها حاجز الزعيم الذي يفصل قرية الزعيم عن القدس ويخصص أساسًا لعبور المركبات، وحاجز «العيزرية» (الزيتونة) الذي يربط العيزرية بالطور ويقتصر عبوره على حاملي التصاريح.

 

أما جنوبًا، فيعد حاجز «300» (قبة راحيل) المنفذ الرئيس بين بيت لحم والقدس، ويُصنف من أكثر الحواجز ازدحامًا، بينما يخدم حاجز «النفق» حركة المستوطنين بصورة أساسية مع تقييد مرور الفلسطينيين.

 

ويضاف إلى ما سبق حاجز «الشيخ سعد» وحاجز «فندق كليف»، اللذان يفرضان قيودًا مشددة على سكان المناطق المعزولة خلف الجدار، حتى إن المرور عبرهما يقتصر على فئات محددة.

 

ثانيًا: حواجز التحكم بالمحيط والربط بين محافظات الضفة: إلى جانب حواجز الدخول، أنشأت سلطات الاحتلال حواجز تؤدي وظيفة مختلفة، فلا تقتصر على ضبط الوصول إلى القدس، ولكنها كذلك تتحكم في حركة التنقل بين محافظات الضفة الغربية، بما يعزز عزل القدس عن محيطها الفلسطيني.

 

ويُعد حاجز «الكونتينر» (وادي النار) أبرز هذه الحواجز؛ فهو يقع جنوب شرقي القدس، ويتحكم يوميًا بحركة آلاف المركبات والمسافرين، مع إجراءات تفتيش وإغلاق متكررة، كما يُمنع المشاة من عبوره إلا بإذن خاص.

 

ثالثًا: نقاط التفتيش داخل القدس المحتلة: وتتنوع ما بين نقاط أمنية ثابتة أو مؤقتة، تنتشر داخل المدينة نفسها، وخاصة عند أبواب البلدة القديمة (باب العامود، باب الساهرة، باب الأسباط، باب الخليل وغيرها)، وفي محيط المسجد الأقصى والطرق المؤدية إليه، وأمام أبوابه، وعند مداخل الأحياء الفلسطينية أثناء المناسبات والأعياد أو في فترات التصعيد، وتشمل أيضًا الحواجز الطيّارة التي تُقام فجأة في الشوارع والأحياء الفلسطينية المختلفة.

 

الحياة اليومية عند الحاجز.. الوقت والكرامة


تكشف الشهادات الميدانية التي توثقها المصادر الفلسطينية، والمؤسسات الإعلامية، حجم الضغوط اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون جراء هذه المنظومة الأمنية، فمنذ بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023م، شددت سلطات الاحتلال القيود على وصول المصلين من الضفة الغربية إلى القدس، فأصبح كثيرون يضطرون للخروج من منازلهم في ساعات الفجر الأولى لضمان الوصول إلى «الأقصى»، وأداء صلاة الجمعة مثلًا، فيما تمتد أوقات الانتظار على بعض الحواجز إلى ما يقارب 4 ساعات في اتجاه واحد، إلى جانب الآثار الكبيرة لهذه الحواجز على تنقل العمال والموظفين، وخاصة من الضفة الغربية، حيث خسر العديد منهم أعمالهم في القدس بسبب إجراءات الاحتلال.

 

ومن خلال استقراء سلوك الاحتلال عند هذه الحواجز، فقد تحولت إلى محطات للتنكيل الجماعي بحق الفلسطينيين، من خلال الاحتجاز المطوّل تحت أشعة الشمس، والتفتيش المهين، مرورًا بالتعامل الفوقي والإذلال، وتحول هذه الحواجز إلى نقاط لاعتقال الفلسطينيين، لقاء أي شبهة ممكنة، وتحويلهم إلى الاعتقال الإداري بشكلٍ مباشر، وأخيرًا عدم الالتفات إلى الأوقات المبذولة، حيث تتعمد سلطات الاحتلال إغلاق الحاجز بعد ساعاتٍ طويلة من الانتظار، ومن دون السماح للواقفين أمام الحاجز لساعات من المرور.


أخيرًا، تطوّق منظومة الحواجز ونقاط التفتيش القدس المحتلة وتقطع أوصالها، وخلال السنوات الماضية تغولت تنقل المقدسيين، وتفاصيل حياتهم وعملهم، وحولت التنقل داخل القدس ومنها وإليها، إلى سلسلة من المعاناة واستنزاف الوقت والكرامة، في سياق سعي الاحتلال إلى جعل الحياة في القدس ومحيطها عبئًا لا يُطاق. ورغم فائض القوة والبطش الذي تمارسه أذرع الاحتلال الأمنية عند هذه النقاط، تبقى هذه الحواجز شاهدة على سياسة فصل مكتملة الأركان.


مجلة المجتمع